الصحة النفسية في العمل: كيف تكتشف وتقي نفسك من الاحتراق الوظيفي؟

DR
د. أمين
4 يناير 20265 دقائق قراءة
الصحة النفسية في العمل: كيف تكتشف وتقي نفسك من الاحتراق الوظيفي؟

في السنوات الأخيرة، تشير الدراسات إلى أن أكثر من مليونين ونصف من العاملين في فرنسا معرضون لمخاطر مرتفعة من الاحتراق الوظيفي. لكن كيف يمكن معرفة متى يصبح الضغط في العمل خطراً على الصحة النفسية؟

ما هو الاحتراق الوظيفي وكيف يظهر؟

الاحتراق الوظيفي، أو ما يعرف بمتلازمة الإنهاك المهني، هو حالة من التعب الجسدي والعاطفي والعقلي الشديد. غالباً ما يصيب الأشخاص الملتزمين جداً بعملهم، والذين يتعرضون لضغوط مستمرة أو مطالب مرتفعة. وعلى عكس التوتر العابر، يتطور الاحتراق الوظيفي تدريجياً وقد يؤدي إلى عواقب خطيرة على الصحة العامة.

تبدأ العلامات الأولى بشكل خفي: انخفاض الدافعية، اضطرابات النوم، العصبية، وصعوبة التركيز. مع الوقت، تظهر أعراض أكثر وضوحاً مثل التعب المزمن، الشعور بالفراغ، فقدان الثقة بالنفس، وأحياناً اضطرابات القلق أو الاكتئاب. التعرف على هذه الإشارات التحذيرية ضروري للتدخل في الوقت المناسب.

من المهم التمييز بين الاحتراق الوظيفي وفترة توتر عابرة. فالاحتراق يحدث عندما يعجز الجسم عن التعافي حتى بعد الراحة أو الإجازة. كما تتأثر العلاقات المهنية والشخصية، مما يزيد من العزلة والشعور بالسوء.

لماذا ينتشر الاحتراق الوظيفي في بيئة العمل؟

تغيرات عالم العمل، والتحول الرقمي، وتسارع وتيرة المهام، والضغط لتحقيق النتائج، كلها عوامل تساهم في انتشار الاحتراق الوظيفي. بعض القطاعات أكثر عرضة، مثل الصحة والتعليم والمهن ذات المسؤولية العالية. قلة التقدير، كثرة العمل، أو غياب الدعم الإداري عوامل تزيد من المخاطر.

حتى العمل عن بعد، رغم مرونته، قد يزيد من المخاطر. إذ تصبح الحدود بين الحياة المهنية والشخصية غير واضحة، ما يؤدي إلى الإفراط في الاتصال وصعوبة الانفصال عن العمل، ويزيد من الشعور بالعزلة. الاحتراق الوظيفي ليس ضعفاً فردياً، بل نتيجة لظروف تنظيمية واجتماعية.

من الضروري التأكيد أن الوقاية من الاحتراق مسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسة. فسياسات إدارة التوتر، ودعم الصحة النفسية، والتواصل الإيجابي داخل الفرق، تلعب دوراً محورياً في الحفاظ على الصحة النفسية.

كيف تكتشف العلامات المبكرة لديك أو لدى زميلك؟

الانتباه لإشارات الاحتراق الوظيفي أمر أساسي للتدخل السريع. الأعراض قد تكون جسدية (صداع، اضطرابات هضمية، تعب دائم)، أو عاطفية (عصبية، قلق، شعور بالفشل)، أو معرفية (ضعف التركيز، النسيان).

عند الزملاء، هناك سلوكيات يجب الانتباه لها: الانعزال، فقدان الحماس، الغياب المتكرر، أو ردود فعل مبالغ فيها تجاه النقد أو ضغط العمل. اليقظة الجماعية تساعد على تجنب العزلة وتشجع على التعبير عن الصعوبات.

بالنسبة للفرد، من المفيد تقييم مستوى التوتر والإرهاق بانتظام. إذا لم يختفِ الشعور بالتعب أبداً، وتراجعت الدافعية، وأثرت الحالة على الحياة الشخصية، فقد حان وقت طلب المساعدة.

كيف تقي نفسك من الاحتراق: خطوات عملية يومية

الوقاية من الاحتراق تتطلب مزيجاً من الإجراءات الفردية والجماعية. يجب تعلم إدارة التوتر، وضع حدود واضحة، والحفاظ على توازن الحياة المهنية والشخصية. إليك بعض النصائح العملية:

  • تحديد أوقات للانفصال عن الأجهزة الرقمية لتجنب الإرهاق الرقمي.
  • أخذ فترات راحة منتظمة واحترام أوقات الراحة، حتى أثناء العمل عن بعد.
  • التعبير عن الاحتياجات أو الصعوبات للإدارة أو الموارد البشرية.
  • ممارسة نشاط بدني منتظم لتعزيز الاسترخاء والتعافي.
  • الحفاظ على الروابط الاجتماعية: التواصل مع الزملاء أو الأصدقاء أو العائلة لكسر العزلة.

في المؤسسات، يُنصح بتوعية الفرق والمديرين بمخاطر الضغوط النفسية، وتعزيز حق الانفصال عن العمل، وتشجيع المشاركة في ورش إدارة التوتر أو الاسترخاء.

الدعم النفسي أيضاً مورد مهم. تقدم العديد من الشركات اليوم خدمات استماع أو دعم نفسي (خطوط استماع، جلسات مع أخصائيي النفس المهنيين).

متى وكيف تطلب المساعدة عند الاشتباه في الاحتراق الوظيفي؟

ليس من السهل دائماً الاعتراف بالشعور بالإرهاق، لكن طلب المساعدة خطوة شجاعة ومسؤولة. عند استمرار الأعراض، من الضروري استشارة مختص صحي (طبيب عام، طب العمل، أخصائي نفسي).

الحوار مع المدير أو الموارد البشرية قد يتيح تخفيف عبء العمل مؤقتاً، أو الحصول على أيام راحة، أو التوجيه نحو دعم مناسب. الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو التعافي.

لا تتردد في الاستفادة من الخدمات المتاحة: خطوط الدعم، منصات المساندة النفسية، مجموعات الحوار، أو جمعيات متخصصة في الوقاية من الاحتراق ومخاطر العمل النفسية.

ما فوائد الصحة النفسية الجيدة في العمل؟

الاهتمام بالصحة النفسية في العمل يعني الحفاظ على الطاقة والإبداع والقدرة على العطاء المستدام. بيئة العمل الصحية تعزز الدافعية والثقة والانخراط، وتقلل من الغياب والإجازات المرضية.

الشركات التي تستثمر في الوقاية من التوتر والاحتراق تلاحظ تحسناً في المناخ الاجتماعي، وانخفاض معدل الدوران، وزيادة الأداء الجماعي. الرفاهية في العمل مسؤولية مشتركة يجب أن تكون أولوية للجميع.

اعتماد ممارسات جيدة يومياً، وتدريب المديرين على الاستماع، وتعزيز التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، كلها أدوات لبناء ثقافة مؤسسية إيجابية وشاملة.

أسئلة شائعة حول الاحتراق الوظيفي في العمل

س: هل يمكن أن يصيب الاحتراق الوظيفي أي شخص، حتى المتحمسين لعملهم؟

نعم، الاحتراق الوظيفي قد يصيب جميع الفئات، حتى الأشخاص الملتزمين أو المثاليين أو الشغوفين بعملهم. تداخل العوامل الشخصية والتنظيمية قد يعرض أي فرد للخطر.

س: هل هناك وسائل فعالة للتعافي من الاحتراق الوظيفي؟

التعافي يتطلب وقتاً، ودعماً طبياً، وأحياناً علاجاً نفسياً، وغالباً إعادة تنظيم وتيرة العمل. الراحة والدعم الاجتماعي ضروريان لاستعادة التوازن.

ملخص مهم: يتطور الاحتراق الوظيفي بصمت، لكنه ليس قدراً محتوماً. اكتشاف العلامات المبكرة والتدخل السريع يحمي الصحة النفسية والتوازن في العمل.

ملاحظة هامة: هذه المعلومات عامة ولا تغني عن استشارة مختص صحي.